الصالحي الشامي
15
سبل الهدى والرشاد
سر الله تعالى ، يودعه قلب من شاء من عباده ، فأول قلب أودعه قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه أول الأنبياء خلقا ، وصورته آخر صورة ظهرت من صور الأنبياء ، عليهم السلام ، فهو أولهم وآخرهم ، وقد جعل الله تبارك وتعالى أخلاق القلوب للنفوس أعلاما على أسرار القلوب ، فمن تحقق قلبه بسر الله تعالى اتسعت أخلاقه لجميع خلق الله تعالى ، ولذلك جعل الله تعالى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم جثمانية اختص بها من بين سائر العالمين ، فتكون علامات اختصاص جثمانية آيات دالة على أحوال نفسه الشريفة ، وعظم خلقه ، وتكون علامات عظم أخلاقه آيات على أسرار قلبه المقدس . الخامس : قال الشيخ شهاب الدين السهروردي رحمه الله تعالى في العوارف : لا يبعد أن قول عائشة رضي الله تعالى عنها : كان خلقه القرآن - فيه أمر غامض وإيماء خفي إلى الأخلاق الربانية ، فاحتشمت من الحضرة الإلهية أن تقول : كان متخلفا بأخلاق الله تعالى ، فعبرت عن المعنى بقولها : كان خلقه القرآن ، استحياء من سبحات الجلالة ، وسترا للحال بلطف المقال ، وهذا من موفور عقلها ، وكمال أدبها ، وقال غيره : أرادت بذلك اتصافه بما فيه من الاجتهاد في طاعة الله تعالى ، والخضوع له ، والانقياد لأمره ، والتشديد على أعدائه ، والتواضع لأوليائه ، ومواساة عباده ، وإرادة الخير لهم ، إلى غير ذلك من أخلاقه الفاضلة . وقال آخر : فكما أن معاني القرآن لا تتناهى فكذلك أوصافه الحميدة الدالة على حسن خلقه العظيم لا تتناهى ، إذ في كل حال من أحواله يتجدد له الكثير من مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم ، وما يفيضه الله عز وجل عليه من معارفه ، وعلومه ، مما لا يعلمه إلا الله تعالى ، فإذن التعرض لحصر جزئيات أخلاقه الحميدة تعرض لما ليس من مقدور الإنسان ، ولا من ممكنات عادته . السادس : قول عائشة رضي الله تعالى عنها : ما انتقم صلى الله عليه وسلم لنفسه أي خاصة ، فلا يرد أمره بقتل عبد الله بن خطل ، وعقبة بن أبي معيط ( 1 ) ، وغيرهما ممن كان يؤذيه ، لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله تعالى . وقيل أرادت أنه لا ينتقم إذا أوذي من جفاء من رفع صوته عليه ، والذي جبذ بردائه ، حتى أثر في كتفه ، وحمل الداودي عدم الانتقام على ما يختص بالمال ، قال : وأما العرض فقد اقتص ممن نال منه قال : واقتص ممن لده في مرضه بعد نهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، بأن أمر بلدهم ،
--> ( 1 ) عقبة بن أبان بن ذكوان بن أمية بن عبد شمس : من مقدمي قريش في الجاهلية . كنيته أبو الوليد ، وكنية أبيه أبو معيط . كان شديد الأذى للمسلمين عند ظهور الدعوة ، فأسروه يوم بدر وقتلوه ثم صلبوه ، وهو أول مصلوب في الإسلام . توفي 2 ه . الأعلام 4 / 240 .